فخر الدين الرازي

215

تفسير الرازي

قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها ، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق ، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه . المسألة الثانية : قال المتكلمون : هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة ، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ، فإذن قوله : * ( وهو معكم ) * لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع . المسألة الثالثة : اعلم أن في هذه الآيات ترتيباً عجيباً ، وذلك لأنه بين قوله : * ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) * كونه إلهاً لجميع الممكنات والكائنات ، ثم بين كونه إلهاً للعرش والسماوات والأرضين . ثم بين بقوله : * ( وهو معكم أينما كنتم ) * معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالماً بظواهرنا وبواطننا ، فتأمل في كيفية هذا الترتيب ، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسراراً عجيبة وتنبيهات على أمور عالية . ثم قال تعالى : * ( لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ ) * . أي إلى حيث لا مالك سواه ، ودل بهذا القول على إثبات المعاد . ثم قال تعالى : * ( يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * . وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور ، وهي جامعة بين الدلالة على قدرته ، وبين إظهار نعمه ، والمقصود من إعادتها البعث على النظر والتأمل ، ثم الاشتغال بالشكر . * ( ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) * . قوله تعالى : * ( آمنوا بالله ورسوله ) * اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعاً من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله ، فإن قيل قوله : * ( آمنوا ) * خطاب مع من عرف الله ، أو مع من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرفه من عرف ، فيكون ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثاني ، كان الخطاب متوجهاً على من لم يكن عارفاً به ، ومن لم يكن عارفاً به استحال أن يكون عارفاً بأمره ، فيكون الأمر متوجهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر ، وهذا تكليف مالا يطاق والجواب : من الناس من قال : معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات . ثم قال تعالى : * ( وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فالذين آمنوا منكم وانفقوا لهم أجر